تاريخ النشر : 30-03-2026
المشاهدات : 7
السؤال
أنا أعاني منذ سنوات من وسواس قهري شديد في الطهارة، خاصة فيما يخص المذي والبول والبراز.
أقوم بغسل جسدي وملابسي والحمام مرات عديدة بعد البول أو التبرز، وأحيانًا أغتسل من الرقبة إلى القدمين، وأعيد غسل الملابس والغسالة وأشعر برذاذ الماء أو البول يصل إليّ.
حتى عند الخروج مع زوجي، أخاف دخول الحمامات العامة وأؤخر الصلاة خوفًا من النجاسة.
سؤالي:
هل هذا صحيح شرعًا؟ وهل عليّ أن ألتفت لكل هذه المخاوف؟ وما التصرف الصحيح شرعًا مع البول والمذي والبراز والرذاذ والملابس والحمام؟
الاجابة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، أما بعد:
فما وصفته الأخت الكريمة في رسائلها الكثيرة والطويلة، نُبيِّن فيه بيقين — وأنت تعلمين ذلك — أن ما ابتُليتِ به هو من الوساوس الشديدة، والوسواس بإجماع أهل العلم من الشيطان.
وقد نهانا الله عز وجل عن اتباع خطوات الشيطان، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾
أولًا: الوسواس مرض، وله علاج
الأمر الذي أريد أن أنبّه عليه أولًا: أن هذا مرض، نعم، الوساوس أمر مرضي، وقد يصل بالمسلم أو المسلمة إلى حدٍّ يكون فيه فعلًا مريضًا.
ولهذا قال الله عز وجل:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
وأهل الذكر في باب المرض هم الأطباء.
فأنا أنصح الأخت الكريمة ألا تستهين بهذا الأمر، بل تراجع طبيبة مسلمة أو طبيبًا مسلمًا ثقة، وتشرح ما عندها من هذه الوساوس؛ لأن هذا معروف عند الأطباء، وله — بإذن الله — علاج ناجح، وقد يكون ببعض الأدوية، وقد تحتاجين إلى الاستمرار عليها فترة:
قد تكون سنة، وقد تكون أقل، وقد تكون أكثر، بحسب ما يحدده الطبيب المسلم الثقة.
ثم بعد ذلك، بإذن الله تعالى، يرفع الله عنك هذا البلاء.
لكن هناك أيضًا شق شرعي لا بد من فهمه.
ثانيًا: قاعدة الشريعة في هذا الباب هي اليسر لا العسر
من القواعد العظيمة في الإسلام: أن الله عز وجل يريد بنا اليسر، كما قال سبحانه:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
وكذلك من القواعد العظيمة المستنبطة من هذه الآية وغيرها: أن الله عز وجل رفع عنا الحرج، فقال سبحانه:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
ولهذا قال أهل العلم:
إذا وجدت المشقة ثبت التيسير
وأنتِ الآن في حالٍ فيه مشقة عظيمة جدًا، ومع وجود هذه المشقة، فإن التيسير يثبت شرعًا.
مثال على التيسير في الشرع
الله سبحانه أمرنا بأفعال صحيحة في أصلها، لكن إذا وُجد المرض أو العجز، خفّف الشرع.
فمثلًا: الأصل في الصلاة أن تكون قيامًا، وهو ركن من أركان الصلاة.
لكن لما اشتكى عمران بن حصين رضي الله عنه إلى النبي ﷺ من المرض، قال له النبي ﷺ:
"صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب"
فانظري: القيام ركن، ومع ذلك يسقط بالعجز والمرض.
فكيف بأمرٍ أنتِ أصلاً خرجتِ فيه عن الحد الشرعي في الطهارة، حتى صار فوق ما شرعه الله بكثير؟
ثالثًا: ما شرعه الله في الطهارة يسير جدًا
الله عز وجل يريد أن يطهّرنا، لكن دون مشقة ولا حرج.
فالطهارة في الوضوء أو الاستنجاء أو إزالة النجاسة أمر يسير جدًا.
الدليل: قصة الأعرابي الذي بال في المسجد
ثبت أن رجلًا بال في المسجد، والنبي ﷺ قال للصحابة لما أرادوا منعه:
"دعوه، ولا تُزرِموه"
أي: لا تقطعوا عليه بوله.
ثم قال ﷺ بعد ذلك:
"صبوا على بوله ذَنوبًا من ماء"
أي: دلوًا من ماء
لاحظي هنا:
رجل كبير بال بولًا كثيرًا، والنبي ﷺ لم يأمر بتعقيد الأمر، ولم يقل:
اغسلوا المكان عشرات المرات
ولا فتشوا عن كل ذرة
ولا افترضوا انتقال النجاسة إلى كل ما حولها
بل الأمر كان يسيرًا جدًا.
رابعًا: ما تفعلينه تجاوز لما شرعه الله
أنتِ تقولين:
قد تكون نقطة وصلت إلى الأرض
أو نقطة أصابت الشبشب
أو قطرة تناثرت
أو ربما لامست الثوب
أو ربما أصابت الجسد
ثم تبنين على ذلك:
غسل الأرض كلها
وغسل الشبشب
وغسل الثياب
وغسل الجسد
بل أحيانًا الاغتسال من الرقبة!
وهذا كله ليس من الشرع
بل هذا زيادة على ما شرعه الله، وهو من اتباع خطوات الشيطان.
فلو افترضنا جدلًا أن نقطة بول أصابت موضعًا معينًا، فماذا يلزم؟
الجواب:
أن يُصب على الموضع شيء من الماء ينظفه، وينتهي الأمر.
هذا فقط.
أما أن يتحول الأمر إلى تفتيش دائم، وغسل متكرر، وإعادة للطهارة والوضوء والاستنجاء، فهذا ليس مما يحبه الله عز وجل.
خامسًا: الشيطان يريد أن يثقّل عليك العبادة
الشيطان لا يريد منك فقط أن تتعبي، بل يريد أن:
تثقُل عليك الطاعة
تشق عليك العبادة
ثم في النهاية تكرهي العبادة نفسها
وربما بعد ذلك تتركيها أو تتمنّي تركها
وهذا هو الذي يسعد الشيطان.
فأنتِ الآن — من حيث لا تشعرين — أخرجتِ العبادة عن حد اليسر الذي أراده الله، إلى حد العسر والمشقة الذي يريده الشيطان.
سادسًا: علاج الوسواس شرعًا
العلاج الشرعي يكون في أمرين عظيمين:
1) كثرة ذكر الله والدعاء
عليكِ بـ:
ذكر الله كثيرًا
الاستعانة بالله
دعاء الله أن يعافيك ويصرف عنك هذا البلاء
2) عدم العمل بالوسواس أبدًا
وهذا هو أهم علاج.
لا تعملي بهذا الوسواس أبدًا.
سابعًا: قاعدة عظيمة جدًا — اليقين لا يزول بالشك
ثبت في الصحيح أن رجلًا شكا إلى النبي ﷺ أنه يجد الشيء في الصلاة — أي يشك: هل خرج منه شيء أم لا؟
فقال له النبي ﷺ:
"لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا"
وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم.
وقد قال العلماء، ومنهم الإمام النووي رحمه الله:
هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه
وهي:
الأشياء يُحكم ببقائها على أصلها، حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها
معنى هذا في حالتك:
توضأتِ؟ فأنتِ متوضئة
استنجيتِ؟ فقد طهرتِ
غسلتِ الموضع؟ فقد انتهى الأمر
صليتِ؟ فصلاتك صحيحة
ثم بعد ذلك يأتي الشيطان ويقول:
ربما خرج شيء
ربما أصابت قطرة
ربما تنجس الثوب
ربما لم يطهر المكان
كل هذا لا يُعمل به
لأن هذا شك، واليقين لا يزول بالشك.
ثامنًا: حتى لو وُجدت مشقة شديدة فالمريض له أحكام خاصة
أنتِ الآن في حكم المريضة، والمريض له أحكام غير أحكام الصحيح.
مثال ذلك:
من به سلس بول:
يتوضأ بعد دخول الوقت، ويصلي الفريضة وما شاء من النوافل، ولو خرج منه البول أثناء ذلك.
وكذلك المستحاضة:
تتوضأ لكل صلاة بعد دخول الوقت، وتصلي الفريضة وما شاءت من النوافل حتى يدخل الوقت الآخر.
إذًا:
المريض يُخفَّف عنه.
فكيف بكِ وأنتِ في حالة وسواس شديدة جدًا؟
تاسعًا: يجب قطع هذه الوساوس دفعة واحدة
لا بد من قرار حاسم:
أقطع هذه الوساوس تمامًا، ولا ألتفت إليها أبدًا
مثال عملي:
دخلتِ الخلاء
قضيتِ الحاجة
استنجيتِ استنجاءً عاديًا كما يفعل الناس
انتهى الأمر
بعدها:
شككتِ أن نقطة أصابت الجسد؟ لا تلتفتي
شككتِ أن نقطة أصابت الثوب؟ لا تلتفتي
شككتِ أن الأرض لم تطهر؟ لا تلتفتي
شككتِ أن الوضوء بطل؟ لا تلتفتي
حتى لو وجدتِ في نفسك خوفًا أو قلقًا أو توترًا، لا تستجيبي له.
لأن الاستجابة هي التي تُغذّي الوسواس.
عاشرًا: ما تفعلينه الآن ليس تقربًا إلى الله
وهذه نقطة مهمة جدًا:
ما تفعلينه من هذا ليس تقربًا إلى الله عز وجل.
بل إن هذا — حين يكون بهذه الصورة — مما يبغضه الله عز وجل؛ لأنه:
اتباع لخطوات الشيطان
ومخالفة لليسر الذي أراده الله
وإدخال للحرج على النفس
وتكليف لها بما لم يكلّفها الله به
فأنتِ بحاجة إلى أن تقولي لنفسك بوضوح:
الله لم يأمرني بهذا
الله يريد بي اليسر
الله لم يجعل عليّ في الدين من حرج
حادي عشر: من هدي العلماء في هذا الباب
ذُكر عن ربيعة — شيخ الإمام مالك رحمهما الله — أنه كان من أسرع الناس في الاستنجاء والتطهر.
حتى إن الإمام مالك رحمه الله ذكر ذلك عنه، وبيّن أن هذا هو الدين الصحيح؛ لأن الدين يسر، وليس دين تعقيد ولا تكلف ولا تفتيش مرضي.
الخلاصة العملية لك
المطلوب منك من اليوم:
1) مراجعة طبيب أو طبيبة نفسية مسلمة ثقة
لأن هذا مرض حقيقي وله علاج.
2) الإكثار من الدعاء والذكر
وخاصة:
أذكار الصباح والمساء
الاستعاذة بالله من الشيطان
سؤال الله العافية
3) عدم إعادة التطهر أو الغسل أو الوضوء بسبب الشك
مهما ألحّ عليك الوسواس.
4) عدم تفتيش الثياب أو الأرض أو الجسد
ولا تتبعي الأوهام والاحتمالات.
5) إذا تطهرتِ، فالأصل أنك طاهرة
ولا تنتقلين عن هذا الأصل إلا بيقين جازم لا يحتمل.
6) لو تيقنتِ من نجاسة موضع معين فقط
فاغسلي الموضع فقط، وانتهى الأمر.
الخاتمة
أبشري — بإذن الله — أن الله يتقبل منك، وأن الطريق الصحيح ليس في الاستجابة للوسواس، بل في مخالفته.
وقد تحتاجين إلى صبر في البداية، لأن ترك الوسواس ليس سهلًا في أول الأمر، لكن هذا الصبر هو طريق الشفاء.
فقولي لنفسك دائمًا:
أنا على الطريق الصحيح
أنا لا أتبع خطوات الشيطان
الله يريد بي اليسر
الله لم يجعل عليّ في الدين من حرج
ونسأل الله عز وجل لكِ العافية والسلامة والعفو والعافية في الدنيا والآخرة، ولنا ولكِ ولجميع المسلمين.

logo